الشاعر الراحل شيركو بيكس: جعل من قصائده وسيطا لايصال معاناة الكرد للآخرين

المقاله تحت باب  مقالات و حوارات
في 
08/08/2013 06:00 AM
GMT



أشعر أنني لا أستطيع الكتابة عن رحيل الشاعر الكردي الكبير شيركو بيكس إلا بالدمع.. ليس لأنه كان شاعراً كبيراً فقط، بل لأنه كان أخا، وصديقا، ومعلما، وأبا معاً.
الكتابة عن هذا الراحل، تشبه إلى حدٍ ما الكتابة عن كردستان.. فالوعي الجمعي يعرف كل صغيرة وكبيرة عن كردستانه، وكذلك عن شاعره بيكس.
ما أكتبه هنا، ليس سوى دمعة كبيرة على انسان كبير، ترك كل ماهو جميل وانساني على حياتي وتفكيري وكتاباتي.
اليوم في مؤسسة سردم التي أسسها مع نخبة من الكتاب والمثقفين .. كان الجميع في حالة ذهول.. الجميع كانوا في حالة عمل كبير لتخليد ذكرى هذا الرجل العظيم..
رؤوف بيكرد، آزاد برزنجي، دانا احمد، هلكوت عبدالله، هيوا قادر، ريبين هردي، آرام علي، كاميران سبحاني.. إلخ. الكل كانوا حزانى.. الكل كانوا يعملون بجد كعربون صداقة لهذا الشاعر الذي سوف يعيش في قلب كل كاتب وعامل وموظف في مؤسسة سردم والى الابد.
قبل عام ونيّف قرأتُ للشاعر الراحل بعض ترجماتي عن الشعر الكردي في غرب كردستان (كردستان سوريا).. ولاهتمامه الكبير بالأدب والأدباء الكرد في غرب كردستان، ألحّ عليّ أن أعدّ كتاباّ عن الشعر الكردي في غرب كردستان، وأن يصدر بالذات عن مؤسسة سردم للطباعة والنشر، كمساهمة للثورة الكردية هناك، ولكن من نوع آخر. نعم، هذا الموقف الداعم من جهته، كانت البداية الحقيقية لمشروع كتابٍ عن أنطولوجيا الشعر الكردي في غرب كردستان، سيصدر بعد أيام بالتنسيق مع المؤسسة بعنوان ‘البهجة السرية’.. فلولا هذا الشاعر العظيم.. الخالد، لما فكرت في هكذا مشروع، ولولا ملاحظاته وآرائه وخبرته لما واصلت العمل بتلك الجدية.
والآن، وبعد مرور كل هذه الشهور والأيام مع كتاب ‘ البهجة السرية’، صرتُ أتذكر شيركو بيكس في كل قصيدة، في كل كلمة، وفي كل نبرة وحرف.
لقد اختار الشاعر الكردي الكبير شيركو بيكس أن ينقّب عبر لغته الأم عن شظايا التاريخ الكردي الضارب في القدم، وأن يصوغ بموهبة مرهفة وعاتية قصيدة الكرد الكبرى التي أرادها أن تكون وطناً من الاستعارات لأمة مزّقتها الجغرافيا وظلمها التاريخ وجزأتها المصالح الدولية. حيث لم يترك هذا الشاعر العظيم نأمة صغيرة أو تفصيلاً بسيطاً في جغرافيا الحضور الكردي في العالم إلا وخصّه بقصيدة أو مقطوعة أو نشيد.
يعتبر الشاعر شيركو بيكس، حالة أدبية وابداعية فذة لا مثيل لها، ويصعب تكرارها، ولا مهرب من الاعتراف به في عصرنا الحديث، كظاهرة شعرية (مدرسة شعرية) من الطراز الرفيع النادر، فهو صاحب ميراث كبير من الأعمال الإبداعية التي تعتبر جزءاً أصيلاً من الأدب الإنساني العالمي. إنه باختصار شديد، من أكثر التجارب الشعرية ترجمة وفرادة وتميزاً في تاريخ الشعر الكردي المعاصر.
ففي عام 1970 أصدر الشاعر مع نخبة من الشعراء والقصاصين الكرد أول بيان أدبي تجديدي كردي والمعروف باسم ‘بيان روانكه المرصد’ حيث دعوا فيه إلى الحداثة الشعرية والأدبية والإبداع بلغة جديدة مبدعة. وقد شكلت هذه الحركة الأدبية اتجاهين رئيسين في الثقافة الكردية. أولهما الولوج في ذاكرة تلك الثقافة ومفرداتها الحيوية المتجسدة في الرموز الشعبية والتراث والجمالية التي تخلقها عضوية العلاقة بين الواقع والنص. وثانيهما، تأسيس رؤية مفتوحة للنص واللغة وإنقاذهما.
من أعماله الإبداعية والتي تتجاوز الـ(45) مجموعة شعرية، نذكر منها: شعاع القصائد(1968)، هودج البكاء (1969)، باللهيب أرتوي (1973)، الشفق (1976)، الهجرة (1984)، مرايا صغيرة (1986)، الصقر (1987)، مضيق الفراشات (1991)، مقبرة الفوانيس، فتاة هي وطني (2011)..إلخ.
ترجمت منتخبات من قصائده إلى عدّة لغات عالمية منها السويدية، الانكليزية ،الفرنسية ، الألمانية ، الرومانية، البولونية، الإيطالية، التركية، والعربية وغيرها من اللغات.
وتحققت للشاعر شهرة عالمية قلما تحققت لغيره، وحصل على جوائز عالمية عديدة من بينها جائزة ‘توخولسكي’ السويدية عام 1987، وجائزة ‘بيره ميرد’، وجائزة ‘العنقاء الذهبية’ العراقية.
ومما يسترعي الانتباه في شعره، أن هاجسه خلق الأشياء الجميلة من خلال أناقة اللغة ورشاقة المفردات، وبذلك أحدث ثورة واعية في الشعر الكردي المعاصر، مما جعله يحتل مكاناً ومكانة متميزين في قلب الشارع الكردي.
يقول الشاعر اللبناني شوقي بزيع: ‘ومنذ قرأت شيركو بيكس مترجماً إلى العربية شعرت، رغم الخسائر الناجمة عن الترجمة، بأنني إزاء قامة شاهقة تمثل في الشعر الكردي ما يمثله نيرودا بالنسبة إلى التشيلي ولوركا بالنسبة إلى إسبانيا وناظم حكمت بالنسبة إلى تركيا، ومحمود درويش بالنسبة إلى فلسطين والعرب’.
لقد أسس بيكس إحتفاليته على التجربة الحياتية بكل معاناتها وإنكساراتها وأفراحها ونجاحاتها، برؤية جديدة للذات وللوطن وللغة، من خلال إحالتها إلى واقع إبداعي جديد.
حيث تظهر هذه الاحتفالية، في استثمار التواصل بين الواقع والتاريخ بتماثل مقرون بطبقات المعنى الإنساني العميق. ويتجلى ذلك داخل خطاب الذات المبدعة وخارج حساسيته المباشرة، عبر أدوات شعرية إحترافية واضحة.
الشعر في تجربة هذا الشاعر الكبير والمتفرد هو صوت الإنسان العميق والمكبوت، وسط تاريخ طويل من الفواجع والآلام والمآسي. إنه صوت الشاعر المنحاز للحياة والحقيقة.
فالشعر عند هذا الشاعر يحاكي الرعب الوجودي، عبر ذاكرة جمعية قادرة على التعرف على الحقائق. ومما لا شك فيه، أن الإبداع فعل وجودي، يمارس نوعاً من التطهير حسب أرسطو.
وما يميز تجربة هذا الشاعر العظيم هو ذلك التفاعل الملموس مع التاريخ من خلال خلق الصور الذهنية للفكرة، والإبتعاد عن الأفكار المتداولة، بغية إنتاج أفكار مغايرة وفق لحظتها الراهنة، لخلق درجة من التوتر التاريخي.
لقد جيّش شيركو بيكس في تجربته الشعرية كل أشكال التعبير الشعري من الملحمة حتى قصيدة اللمحة السريعة، ومن الأسطورة حتى الغناء البسيط، ومن الغرابة السوريالية حتى المشهدية السردية والحكائية. ففي قصيدته ‘ضابط عادي’ يقول الشاعر:

عندما منحوه نجمة واحدة
كان قد قتل نجمة
وعندما صارت نجمتين
تحولت يداه إلى حبال مشانق
وعندما صارت ثلاث نجمات
ثم تاجاً
ثم رتبة أعلى
استيقظ التاريخ في صباح ما
فوجد البلاد مملكة أرامل .

مَن يتابع مجموعات الشاعر المتعددة منذ ‘ شعاع القصائد’ و’مرايا صغيرة’ و’نغمة حجرية’ و’مضيف الفراشات’ وحتى ‘سفر الروائح’ و’إناء الألوان’ وغيرها لابد أن يلاحظ ثراء لغة الشاعر واتساع رقعة موضوعاته وخصوبة مخيلته، قد أوصلت الشعرية الكردية إلى مرتبة الملاحم، وإلى مرتبة الأناشيد الخالدة.
والحق يقال.. فقد شكّلت مجموعة ‘مرايا صغيرة’ المترجمة إلى العربية في أواخر الثمانينيات (دار الأهالي دمشق) من القرن الفائت، النموذج الأكثر وضوحاً للقصائد القصيرة، وشبه القصيرة التي تعتمد على الحكاية، كما على المشهد الانطباعي، والفكرة الموجزة واللمّاحة. فبعد ترجمة هذه المجموعة إلى اللهجة الكرمانجية انحرفت القصيدة الكردية في سوريا عن مسارها التقليدي (مدرسة جكر خوين)، وعن مسارها اللغوي (مدرسة سليم بركات)، إلى مسار يومي (مدرسة شيركو بيكس) الذي فجّر المكبوت اللغوي الكردي. كما في قصيدة ‘الشاهدة الوحيدة’ على سبيل المثال:

تقاطع شارعين هو الصليب
بقعة دم هي الجريمة الجديدة
عصفورة على السلك هي الشاهدة الوحيدة
والتي لن تدعوها أي محكمة أبداً.

فالشعر هنا يتغذى من المشهد اليومي المفعم بالمشاعر الانسانية.. إنها عوالم شيركو بيكس التي تتحرك بكل وعي من تجربة شخصية متميزة إلى تجربة كلية انسانية. لذلك يتجنب ما أمكنه الركون إلى نمط بعينه أو طريقة واحدة في الكتابة، فيتنقل بين الأسطوري والواقعي، وبين اليومي والميتافيزيقي، وبين الشخصي والجماعي، بقدر ما يتنقل بين الملحمة والإنشاد الطويل حيناً، وقصيدة البؤرة أو المشهد أو الومضة الخاطفة أحياناً أخرى. كما هو الحال مع قصيدة ‘حكمة’ التي تتكرر نظائرها في القصائد القصيرة المماثلة:

ثمة أشياء كثيرة ينخرها الصدأ
 يلفها النسيان فتموت
مثل التاج والصولجان والعرش
ثمة أشياء أخرى كثيرة
لا تهترئ ولا يلفها النسيان
مثل قبعة وعصا وحذاء شارلي شابلن.

أو كما في قصيدة ‘مَحْبرة’ التي تقول:

محبرة خضراء
رمت بنفسها من فوق رفٍّ،
وبعد دفنها،
عثروا في علبتها على قصاصة
كُتب عليها:
لقد قتلتُ نفسي
لأن أحد الأقلام
إمتلأ بحبري عنوة
كي يأسرَ سرباً
من كلمات نيرودا المحلِّقة.

وأيضاً يتكرر ذلك في قصيدة ‘ههنا’:

ههنا، الليلة،
الجبل شاعر،
الشجرة قلم،
السهب ورق،
النهر سطر،
والحجر نقطة..
وأنا..
عامة تعجب!.

أو كما في قصيدة ‘أمي’ التي تقول:

حين كبرتُ،
رأى معصم يدي اليسرى،
الكثير من الساعات؛
لكن، قلبي لم يفرح،
مثلما كان يفرح،
حينما كانت أمي
تعض معصمي الأيسر،
وأنا طفل،
تعمل بأسنانها
ساعتها على يدي.

يتضح من مثل هذه النماذج أن قصيدة شيركو بيكه س لا تتغذى من المعرفة العقلية المباشرة ولا من العمليات الفكرية، التي تتوالد في الذهن، بل من الالتفات الذكي إلى الحياة العادية والأشياء البسيطة والواضحة والقريبة من متناول القرّاء.
فخلال الأعوام الثلاثين الماضية شكلت أشعار شيركو بيكس النهر الرئيسي للقصيدة الجديدة في سوريا، طالما تميزت عن غيرها بالغنى الموضوعي بعيداً عن الشعارات، حيث اتخذت نهجاً يختلف عن الشعر التقليدي الموزون في الشكل والبناء واللغة والنظرة للأمور كما في تجربة جكر خوين الشعرية. كما اختلف عن الشعر الحديث المتمثل في تجربة سليم بركات اللغوية.
فبعد رسوخ مدرسة شيركو بيكس الشعرية، أخذ الشعر الكردي في سوريا طريقاً جديداً إلى الحاضر القلق، وأخذ الشاعر الكردي طريقاً آخر يسمو فيه الإنسان بالثقافة التي تتشابك فيها الوعي الإنساني والوجداني بآفاق إنسانية أخرى، تهدف إلى توجيه الوعي نحو المفاهيم الإنسانية الشاملة، بحيث تندمج فيها الحريات بعضها في البعض.
من هنا، يمكننا القول أن القصيدة الكردية الجديدة قد كشفت عن فعالية عاطفية، تحول فيها الشعر إلى معطى إنساني وجمالي في آنٍ معاً، بأساليب وتقانات الكتابة الشعرية الجديدة، التي تقتضي شعراً مغايراً ومعانداً وخارجاً من بيت الطاعة.
فقد وجد الشاعر الكردي في سوريا تعبيراً جديداً عن موقفه الجديد في مصطلح ‘قصيدة الومضة’ الذي صار عنواناً لحركة شعرية ساهم شيركو بيكس بحماسة في تهيئة الأرض الخصبة لهذه القصيدة.

الشاعر الراحل شيركو بيكس في سطور:

* ولد في العام 1940 بمدينة السليمانية، وهو نجل الشاعر الكوردي الكبير فائق بيكه س الذي كان أحد الشعراء الكورد المشهورين ومناضلا وطنيا.
* انضم إلى الحركة التحررية الكوردية في العام 1965 وعمل في إذاعة (صوت كوردستان)، كما التحق ثانية بالثورة الكوردية العام 1974 وبعد انتكاسة الثورة ابعده النظام البعثي الى الانبار وبقي في ناحية بغدادية ثلاث سنوات.
* غادر وطنه بسبب الضغوط السياسية من النظام البعثي المباد في العام 1986. بعد ان كان قد التحق بصفوف بيشمركة الاتحاد الوطني الكوردستاني أواخر العام 1984.
* عاش في المنفى من العام 1987 إلى العام 1992، في السويد.
* عاد الى كوردستان في العام 1991، وانتخب في 19/8/1992 نائباً في اول برلمان لكوردستان.
* تسلم منصب وزير للثقافة في اول حكومة تشكلت في اقليم كوردستان.
* أختيرت قصيدة له مع نبذة من حياته حيث تدرس كمادة في كتاب انطولوجيا في كل من الولايات المتحدة وكندا للمرحلة الأولى من دراسة المتوسطة منذ العام 1988.
أخذ الشاعر شيركو بيكه س دورا بارزا في الأدب الكوردي الحديث. وقدم عنصرا جديدا في الشعر الكوردي، وتتميز أعمال شيركو بيكه س في أنحاء العالم وترجمت إلى اللغة العربية والسويدية والدانماركية والهولندية والإيطالية والفرنسية والإنجليزية. في عام 1987، حصل على جائزة (توخولسكي) لنادي القلم في ستوكهولم وفي نفس العام حصل على جائزة الحرية من مدينة فلورنسا.
نشر الشاعر الراحل وباللغة الكوردية منذ إصدار أول ديوان له عام 1968، أكثر من ثلاثين مجموعة شعرية، وتضم هذه الدواوين القصائد القصيرة والطويلة والمسرحيات الشعرية والنصوص المفتوحة والقصص الشعرية.
ترجمت مختارات من قصائده إلى أكثر من عشر لغات في العالم، وفي عام 2001 منح جائزه بيره ميرد للشعر في السليمانية، وحصل في عام 2005 على جائزة عنقاء الذهبية العراقية.

*محرر في مجلة ‘سردم العربي’